تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
توفيق الحكيم.. من عودة الروح إلى عودة الوعي

قدمت كتابات الحكيم عالما حيا يزخر بالدلائل والرموز التي يمكن إسقاطها على الواقع، وقدم رؤيته النقدية للحياة والمجتمع، التي تميزت بكثير من العمق والوعي والتنوع، كما استلهم في أعماله التراث المصري والعربي والإسلامي .

القاهرة – "كذلك الحال في ثورة مصر عام 1952، فقد أدت مهمتها باعتلاء زعيمها رئيسا للجمهورية، استقرار هذا النظام الذي جعل رئاسة الجمهورية رئاسة مطلقة.. هذا النظام الدكتاتوري في حقيقته وجوهره هو الذي هزته الهزيمة هزا، وصفه الرئيس بأنه شرخ، وكان طبيعيا أن يتسع الشرخ وينهار النظام..".

من يصدق أن يكتب هذه السطور توفيق الحكيم، أحد أكثر الأدباء الذين قدرهم الرئيس جمال عبد الناصر، بل واعتبره أبا روحيا لثورة يوليو/تموز 1952، ومنحه أهم الجوائز والأوسمة في عصره، ولم يمنع له مقالا أو كتابا، لينقلب عليه الحكيم بعد سنوات من وفاته بكتابه المثير للجدل "عودة الوعي".

أديب ناصر المفضل

العجيب أن الحكيم كان من أقرب الأدباء إلى ناصر، حيث كان الزعيم معجبا بروايته "عودة الروح" التي نشرت عام 1933، ورآها تمهد لظهور البطل المنتظر الذي سيحيي الأمة من رقادها، واعتبره عبد الناصر بمنزلة الأب الروحي لثورة يوليو/تموز، ولم يمنع أي عمل للحكيم خلال عهد عبد الناصر، حتى روايته "السلطان الجائر" نهاية الخمسينيات التي حملت إسقاطا على عهد عبد الناصر ودعته للانتصار للقانون مقابل السيف.

انتقاد النظام

أصدر الحكيم "عودة الوعي" عام 1972 تزامنا مع الحملة الإعلامية ضد عبد الناصر التي سمح بها السادات ليعلن الحكيم البراءة من نظام عبد الناصر، ويحمله أسباب هزيمة نكسة 67، ويعلن أن "ثورة يوليو" انتهت بالنكسة.

كما يتناول الكتاب كيف أن الجيش استطاع أن يساعد في حل أزمات الشارع المصري بداية من القضاء على الإقطاع ومروراً ببناء السد العالي وتأميم قناة السويس وفتح التعليم المجاني، ولكن حينما يتحدث الحكيم عن العدوان الثلاثي على البلاد عام 1956، تبدأ لهجته في التغير إلى انتقادات حادة للثورة وقيادتها السياسية.

لم يكن رجل سياسة

يقول الحكيم إن عبد الناصر لم يكن رجلا سياسيا ولم تكن له قط طبيعة رجل السياسة، وأن مركزه الرئيسي في الأحداث التي وقعت في عهده هو الانفعال ورد الفعل، وليس التفكير الهادئ الرصين.

وانتقد بشدة هزيمة يونيو/حزيران 1967، والتضليل الذي مارسه الإعلام المصري الأيام الأولي للنكسة، وعنف بقاء عبد الناصر في السلطة بعدها.. "وهكذا استمر هو في كرسي الحكم على مصر والزعامة الناصرية على العرب جميعا، هذه الزعامة التي خربت مصر ونكبت العرب.. إن فكرة الزعامة على العالم العربي هي التي أضاعتنا جميعا، واستحوذت على فكر عبد الناصر وجعلته قوة مدمرة لنفسه ولمصر والعرب".

غضب الناصريين

أثار المؤلَف غضب الكثير من مؤيدي الحقبة الناصرية الذين يرون أن الكتاب يعد وسيلة من الوسائل التي يستغلها أعداء حقبة عبد الناصر في الإساءة إلى شخصه والتقليل من إنجازاته

وكتب محمد حسنين هيكل المقرب من عبد الناصر أن كل من كتب عن أخطاء ناصر "أشباح خائفة، أشباح ضعيفة" لأن الشجاعة أن يقف الإنسان أمام الحياة ويقول رأيه، لا أن ينتظر أن يهمس برأيه بعد الموت، فليس في موقفه نوع من الشجاعة، وأن هناك أخطاء في الممارسات، لكن أين في الدنيا لم تقع أخطاء؟ وليس من المعقول أن يتوقف الناس عند الأخطاء وينسوا الإنجازات.

في مقدمة الطبعة الثانية من "عودة الوعي" يقول الحكيم إن الناصريين هاجوا وماجوا بعد صدور كتابه، كما لو كانت الناصرية دينا مقدسا لا ينبغي المساس به، وكما لو أن عبد الناصر فوق مستوى البشر، وليس لمخلوق أن يحاسبه على خطأ، ولابد من فتح ملفات ثورة يوليو ورؤية الحقائق إذا أردنا لمصر أن تتقدم.

رحلة لم تتوج بنوبل

استعرض برنامج "خارج النص" على قناة الجزيرة كتاب "عودة الوعي" حيث حمل الحكيم ناصر المسؤولية عما آلت إليه البلاد، واستعرض الضيوف رغبة الكاتب في التبرؤ من نظام عبد الناصرأو تصفية حساباته، أو ربما رغبته في الحصول على جائزة نوبل نهاية عمره، في وقت انتقد البعض صمت الحكيم خلال عهد عبد الناصر، رغم أنه لم يكن متاحا أي نوع من المعارضة.

وقال الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد -خلال البرنامج- إن أهمية الكتاب أنه كلمة من مثقف كبير له وزنه المصري والعالمي، وبالتالي يصل ما كتبه عن الحقبة الناصرية للناس أكثر من أي مراجعات أخرى كتبت عن "ثورة يوليو".

ولد الحكيم في 9 أكتوبر/تشرين الأول 1898 بمدينة الإسكندرية، وتخرج من كلية الإدارة والترجمة، وسافر إلى فرنسا لدراسة القانون، ولكنه فضل دراسة النظام الاجتماعي بأوروبا، والثقافة الأوروبية والحداثة، وهو ما ظهر تأثيره في كتاباته التي يمزج فيها ثقاته العربية والإسلامية بالثقافة الغربية.

عاد الحكيم إلى مصر، ليتم تعيينه في محكمة الإسكندرية، ولم يلتزم كثيرا بأداء مهامه الوظيفية، حيث كان يفضل الجلوس على المقهى لكتابة أعماله الأدبية.

أبرز أعماله

قدمت كتابات الحكيم عالما حيا يزخر بالدلائل والرموز، التي يمكن إسقاطها على الواقع، وقدم رؤيته النقدية للحياة والمجتمع، التي تميزت بكثير من العمق والوعي والتنوع، كما استلهم في أعماله التراث المصري والعربي والإسلامي.

شكلت مسرحيته "أهل الكهف" (عام 1933) بداية تيار عرف باسم المسرح الذهني، الذي يهدف ليكون مقروءا وليس أن يؤديه الممثلون أمام الجمهور، حيث يخاطب الذهن والفكر.

وتدور الأحداث حول صراع الإنسان مع الزمن حيث يهرب 3 من القديسين بدينهم من الملك دقيانوس ويلجؤون للنوم في كهف 3 قرون ليستيقظوا في زمن آخر، واستوحاها من قصة أهل الكهف في القرآن الكريم.

وفي "يوميات نائب في الأرياف" تحدث الحكيم عن المشاكل في الريف، ومشقة حياة الناس من خلال حكايات النائب القادم من القادم إلى الريف.

وفي "عصفور من الشرق" قدم قصة حب بين فتى شرقي وفتاة غربية، مستعرضا صراع الحضارة الشرقية والغربية.

كما كتب الحكيم مجموعتين قصصيتين شملت 29 قصة، تميزت كلها بالطابع الفلسفي، كما اشتهر بمقالاته في جريدة الأهرام تحت عنوان "دفتر الجيب".

نال الحكيم الكثير من الجوائز، أهمها قلادة الجمهورية وجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1960، ووسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى ، كما ترجمت أعماله لكثير من اللغات الأجنبية، ورحل في 26 يوليو/تموز 1987.

 

 

 

المصدر : الجزيرة

10 أكتوبر, 2021 05:28:09 مساء
0